أبي الفرج الأصفهاني

81

الأغاني

من يذق الحرب يجد طعمها مرّا وتتركه بجعجاع [ 1 ] يوم بعاث وسببه فأما السبب في هذا اليوم - وهو يوم بعاث - فيما أخبرني به محمد بن جرير الطبريّ ، قال : حدثنا [ 2 ] محمد بن حميد الرازيّ ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، وأضفت إليه ما ذكره ابن الكلبيّ عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن أبي عبيدة ، عن محمد بن عمّار بن ياسر ، وعن عبد الرحمن بن سليمان بن عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الراهب : الأوس تطلب عون بني قريظة والنضير أنّ الأوس كانت استعانت ببني قريظة والنّضير في حروبهم التي كانت بينهم وبين الخزرج ، وبلغ ذلك الخزرج ، فبعثت إليهم : إنّ الأوس فيما بلغنا / قد استعانت بكم علينا ، ولن يعجزنا أن نستعين بأعدادكم وأكثر منكم من العرب ، فإن ظفرنا بكم فذاك ما تكرهون ، وإن ظفرتم لم ننم عن الطَّلب أبدا ، فتصيروا إلى ما تكرهون ، ويشغلكم من شأننا ما أنتم الآن منه خالون ، وأسلم لكم من ذلك أن تدعونا وتخلَّوا بيننا وبين إخواننا . الخزرج تحتفظ برهائن من قريظة والنضير فلما سمعوا ذلك علموا أنه الحقّ ؛ فأرسلوا إلى الخزرج : إنه قد كان الذي بلغكم ، والتمست الأوس نصرنا ، وما كنا لننصرهم عليكم أبدا . فقالت لهم الخزرج : فإن كان ذلك كذلك فابعثوا إلينا برهائن تكون في أيدينا . فبعثوا إليهم أربعين غلاما منهم ، ففرّقهم الخزرج في دورهم فمكثوا بذلك مدة . عمرو بن النعمان يرغب قومه في منازل بني قريظة والنضير ثم إنّ عمرو بن النعمان البياضيّ قال لقومه بياضة : إنّ عامرا أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة ، وإنه واللَّه لا يمسّ رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنّضير على عذب الماء وكريم النّخل . ثم راسلهم : إمّا أن تخلوا / بيننا وبين دياركم نسكنها ، وإمّا أن نقتل رهنكم ، فهمّوا أن يخرجوا من ديارهم ، فقال لهم كعب بن أسد القرظيّ : يا قوم ، امنعوا دياركم ، وخلَّوه يقتل الرّهن ، واللَّه ما هي إلَّا ليلة يصيب فيها أحدكم امرأته حتّى يولد له غلام مثل أحد الرّهن . غدر عمرو بن النعمان بالرهن فاجتمع رأيهم على ذلك ، فأرسلوا إلى عمرو بألَّا نسلَّم لكم دورنا ، وانظروا الذي عاهدتمونا عليه في رهننا ، فقوموا لنا به ، فعدا عمرو بن النّعمان على رهنهم هو ومن أطاعه من الخزرج ، فقتلوهم وأبى عبد اللَّه بن أبيّ - وكان سيّدا حليما - وقال : هذا عقوق ومأثم وبغي ؛ فلست معينا عليه ، ولا أحد من قومي أطاعني . وكان عنده في الرّهن

--> [ 1 ] المفضليات : « وتحبسه بجعجاع » وانظر رقم 2 من هامش ص 116 . [ 2 ] تاريخ الطبري 2 : 357 .